القاضي عبد الجبار الهمذاني
149
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن مكالمته فيها إنما تصح بحصول المعارف ، لا بحصول الاعتراف ، لأنه إن جاز أن يجحد ذلك ليجوز أن يجحد الأدلة ، وبناءها على الضرورة ، فمتى لم تكن المذاهب لم تصح هذه الطريقة ، لأنه متى جاز أن يجحد الضروري فبأن يجوز أن يجحد ما تبنى عليه أقرب . واعلم . . أن الواجب على كل مكلف أن يتقى ربه فيما يحذره ويخافه ، لأن المقصد بالمناظرة هو تقرير العلوم ، لكي يتبعه العمل ، فمن لم يستشعر التقوى والمخافة قل تأثير المكالمة فيه ؛ ولذلك كان السلف من شيوخنا يتحرّون أهل الدين والتقوى ، للدعاء إلى اللّه تعالى ، ولا يعدلون عنهم إلى غيرهم ؛ وإن كانوا يعمون بالدعاء ما أمكنهم ، لأن المعروف بالمجانة ، والمجاحدة ، والمذاهب ، يبعد أن تنجح فيه المناظرة ، ويعدّ من هذه حاله مستهزئا بطريقة الديانة ، خالعا عن نفسه أحكام عقله ؛ فإذا صح ذلك وكان التكليف الدائم على كل أحد يتغير بغيره من المكلفين ، فالغرض بالمناظرة وتأليف الكتب لا يتغير ، وإن وقعت المجاحدة في ذلك والمباهتة ؛ لأن ذلك إذا لم يؤثر في نصب اللّه تعالى الأدلة ، وإزاحة العلة ، بخلق المعرفة ، فكذلك فيما ذكرناه . والواجب على من يدعو إلى سبيل ربه أن يبين الطريقة مع التصادق ، متى لم يقع ذلك ووقع التجاحد ، أن يجهد في بيان ذلك ما أمكن ؛ فإذا نبّه على طريقة المعرفة ، وأعلم الجاحد أن أمارات المعرفة قائمة ، ونبهه كما ننبه السوفسطائية على معرفتهم بالمشاهدات ، فقد بلغ النهاية ، فإذا لم يقع القبول فالمخاطب هو المسىء إلى نفسه ؛ كما أنه لو اعترف ولم ينظر فيما يورد عليه ، ولم يفكر ، كان هو المسىء إلى نفسه ، وقد بينا أن أحدنا لا يمكنه خلق العلم في الغير ، وإنما يمكنه الإبانة عن طريقة النظر ، ولا يمكنه أن يخلق في لسانه الاعتراف ، وإنما يمكنه التنبيه ،